شبكة ابو الاحرار الاسلاميه
اهلا وسهلا بكم في شبكة ابو الاحرار الإسلامية اذا كنت زائر فنحن تشرف بتسجيلك معنا واذا كنت عضو تفضل بتسجيل الدخول
حللت أهلاً .. ووطئت سهلاً ..
ياهلا بك بين أخوانك اخواتك ..
ان شاء الله تسمتع معــانا ..
وتفيد وتستفيد معانـا ..
وبانتظار مشاركاتـك وابداعاتـك ..
ســعداء بتـواجـدك معانا .. وحيـاك الله

ملاحظة عزيزي الزائر لاتنس بعد التسجيل الذهاب
الى اميلك الذي زودتنا به لتفعيل حسابك في المنتدى

الإدارة


منتدى يكرس ويطرح قضايا اهل البيت وفكرهم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سيرة الامام الرضا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
AL.JoKeR
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 100
الجنس : ذكر
نقاط : 470
تاريخ الميلاد : 02/11/1998
تاريخ التسجيل : 15/02/2013
العمر : 19
الموقع : البحرين

مُساهمةموضوع: سيرة الامام الرضا   الأحد فبراير 24, 2013 8:31 pm

في اليوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة عام: 148 هجرية وفي بيت الامام موسى بن جعفر في المدينة ولد له ولد(1)، تولّى بعد والده صياغة تاريخ الايمان والعلم والامامة. وقد سُمّي بـ «عليّ» وعُرف بين النّاس بـ «الرّضا».



وتُسمّى أمّه بـ «نجمة»(2)، وقد كانت من افضل النّساء في العقل والايمان والتّقوى، واساساً فانّ أئمّتنا الطّاهرين جميعاً كانوا من نسل افضل الاباء وقد تربّوا في احضان أكرم الامّهات وأشرفهنّ.



وقد تسلّم الامام الرّضا (عليه السلام) عام 183 هجريّة (وبعد استشهاد الامام الكاظم (عليه السلام) في سجن هارون) المنصب الالهيّ للامامة وهو في سنّ الخامسة والثّلاثين واصبح قائداً لمسيرة.



مقدّمة



... انّ الشمس الامامة تجليّا خاصّاً في كل واحد من البروج الاثني عشرة، ولكنّ الشمس هي الشمس من ايّ افق اشرقت، فنورها وشعاعها يعشي العيون، وحرارتها واشراقها يمنح الحياة ويبنيها، فمن اشواك شجيرات الصحراء الى الاشجار العالية في البستان كلّها محتاجة اليها، وأيّة ورقة لا تستطيع ان تعيش من دون لمس اصابع شعاعها، واي غصن لا يمكن ان يثمر بدون الاستمداد من ضيائعها الحاني... أجل انّها الشّمس، ولولا الشمس فانّ عالمنا الحيّ محكوم عليه بالفناء.



ودور امامة ائمتنا المعصومين في نظام العالم المعنويّ ولاستمرار وتقدم حياة الاسلام والمسلمين يشبه دور الشمس وضيائها وحرارتها في العالم المادي، فكلّ واحد من هؤلاء الكرام قد اشرق واضاء وهدى في الظروف الخاصّة التي عاشها وفي جميع الابعاد التي تقتضيها الضرورات وتحتّمها مرحلته الزمنيّته، فاستمّر في تربية اتباعه وصياغتهم بالشكل المطلوب، وقد تجلّى كل واحد منهم من خلال ميزات عصره، فبعض قد صاغ ملحمته في ميدان القتال وكتب رسالته للعالم بدمه الطاهر، وبعض منهم امتطى منبر التدريس وكرّس كل جهده لنشر العلوم والمعارف، والبعض الاخر اخذ على عاتقه عبىء انضال ضدّ الطاغوت، وتحمّل في سبيل ذلك الوان التعذيب والسجون، و... وعلى كل حال كانوا شمس المجتمع وقد انهمكوا في ايقاظ المسلمين الحقيقيين وتربيتهم، واذا لا حظنا بعض الاختلافات في سيرتهم رعايةً للضرورات فانّه لا شكّ لدى الواعين بكونهم متّحدين في الهدف، والهدف هو الله وسبيله واشاعة دينه ونشر كتابه وتربية عباده...



أجل إنّ ائمّتنا (صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين) لمّا كانوا متميّزين بمنصب العصمة والامامة، ممّا هو مختص بهم، وبالحكمة والعلم اللازمين للامامة وهما من المنح الالهيّة، وبتأييد خاصّ من الله تعالى، فقد كانوا اعلم من ايّ شخص آخر بخصائص عصورهم والضرورات السائدة فيها وبأسلوب القيادة في كلّ مرحلة من المراحل، وتعتبر هذه الحقيقة واضحة جدّاً لدى المعتقدين بالاسلام الواقعي المنزّه من الانحراف، والمؤمنين بتعيين الامام بأمر الله وابلاغ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحادثة التاريخيّة لغدير خم، وهو امر لا يرتفع اليك الشّكّ، وتاريخ حياة ائمّتنا الطّاهرين مليء بالوقائع والحوادث التي تنبىء عن وجود مثل هذا العلم والرؤية الالهيّة لدى هؤلاء المكرمين.



وهذا العلم الميحط للامام بجميع ابعاد المجتمع وجوانب عصره وعلمه واحاطته بجميع حقائق الوجود وما يقع من حوادث حتى يوم البعث هو الذي جعل المعصومين يتعاملون مع مسائل عصرهم بدقّة رائعة ويستخدمون افضل الاساليب في سبيل تقدّم الاهداف الالهيّة، وكمثال رائع على ما قلناه نذكر الامام عليّ بن موسى الرّضا (عليه السلام) فهو قد تسلّم منصب الامامة بعد والده الكريم اثناء خلافة هارون الرشيد وبدأ ينشر موضوع امامته من دون تحرّج، بينما كان اصحابه المقرّبون خائفين عليه. وقد واجههم بصراحة قائلاً لهم: «لو انّ أبا جهل استطاع ان ينقص شعرة من رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فان هارون ايضاً يستطيع ان يلحلق بي ضرراً»، وهذا يعني انّ الامام كان على علم يقينيّ بأنّ شهادته لن تكون على يد هارون القذرة، وكان يعلم ايضاً ان عمره الشّريف سوف يمتدّ الى سنين لا حقة. والالتفات الى هذا العلم هو بنفسه عامل مهمّ في فهم اساليب عمل هؤلاء القادة الحقيقيّين.



وقد عاش ثامن المعصومين الامام عليّ بن موسى الرّضا (عليهما السلام) في عصر وصلت فيه خلافة العباسيّين المتعسّفة الى ذروة قدرتها، وذلك لانّ بني العبّاس ليس فيهم ملك اعظم واقوى من هارون والمأمون، ومن ناحية اخرى فقد شُيدت سياسة بني العبّاس مع الائمّة الطّاهرين: وبالخصوص منذ زمان الامام الرضّا (عليه السلام) فما بعد على المكر والخداع والنّفاق والتّظاهر، فمع انّهم كانوا متعطّشين لدماء أهل البيت الطّاهرة إلاّ انّهم كانوا يبذلون قصارى جهدهم ليظهروا انّ لهم علاقات حميمة مع أهل بيت أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وذلك ليطمئنّوا انّ العلويّين سوف لن يثوروا عليهم وليكسبوا قلوب الشّيعة والايرانيّين، وبهذا فهم يؤمّنون نفهسم وضعاً قانونيّاً مشروعاً، ويمكننا ملاحظة اوج هذه السّياسة الخدّاعة في حكومة المأمون...



وقد اتّخذ الامام الرّضا (عليه السلام) في مقابل هذه الطّريقة الخدّاعة للمأمون اسلوبا يتّسم بالدقّة العمليّة المنقطعة النّظير بحيث تحرم المأمون من اهدافه وتقرّب المسلمين المنتشرين في الارجاء الواسعة للبلاد الاسلاميّة الى الحقّ في نفس الوقت بحيث يدركون أنّ الخلافة الاسلاميّة الحقيقيّة قد جُعلت من قبل الله تعالى والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على عاتق الائمّة الطّاهرين:، وليس هناك غيرهم من هو اهل لهذا المنصب الرّفيع.



ولو دقّقنا النّظر ـ كما قلنا في دراستنا لحياة سابع الأئمة ( عليه السلام) ـ لوجدنا انّ الخلفاء الامويّين والعبّاسيّين كانوا يراقبون بدقّة وضع الائمّة( عليهم السلام) ويتعقّبونهم ويحولون دون اتّصال النّاس بهم ويسعون لئلاّ يتعرّف عليهم النّاس وليكونوا خاملي الذّكر ، ولهذا السبّب فانّ ايّ واحد من الائمة الكرام (عليهم السلام) بمجّرد ان يطير اسمه في البلاد الاسلاميّة فانّه يُقتل أو يُدّس اليه السُمّ من قبل الخلفاء، ومع انّ قبول ولاية العهد كان بالاجبار، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فقد كان قبول الامام مرهوناً بتحقّق عدّة شروط بحيث يغدو بمثابة عدم القبول، لكنّه في نفس الوقت قد ذاع هذا الامر في البلاد الاسلامية القربية والبعيدة، وعرف الناس انّ المأمون قد اعترف بانّ الامام الرّضا (عليه السلام) قدوة للامّة وأهل للخلافة، وان المأمون قد طلب منه (عليه السلام) ان يقبل الخلافة فرفضها وأصرّ عليه بولاية العهد فقبلها ضمن شروط، وهذا نفسه يعدّ انتصاراً كبيراً لصالح منهج الامام وهزيمة قاصمة لسياسة خلفاء الجور...



ومن المناسب ان نقارن هذه الحادثة الى واقعة الشّورى الّتي فرضها الخليفة الثّاني عمر بن الخطّاب وأشرك فيها أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام)، ومن الغريب ان الامام الرّضا (عليه السلام) قد اشار الى ما بين هاتين الحادثتين من تشابه.



فقد أمر عمر بن الخطّاب قبل موته بتشكيل شورى بعد موته يشترك فيها عثمان وطلحة وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وذلك ليختار هؤلاء الستّة خليفة من بينهم، ثمّ أوصى بقتل كلّ من يخالف قرار الشّورى، وقد أُعدّت القضية بحيث يبقى عليّ (عليه السلام) محروماً من الخلافة، ولمّا كانوا على علم بانّ الخلافة حقّه، فقد تنبّأوا بانّه سوف يخالف عندما يُنتخب غيره للخلافة وسينفّذ فيه القتل، ويصبح قتله مشروعاً وجائزاً !! وقد سأل الامام أمير المؤمنين بعضُ المقرّبين اليه: لماذا وافقت على الاشتراك في هذه الشّورى مع انّك كنت تعلم بانّ الخلافة سوف لن تُعطى لك؟



فأجاب: لقد أعلن عمر بعد النبيّ (بواسطة جعل حديث) انّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:



«إنّ النّبوّة والامامة لا تجتمعان في بيت واحد». (بمعنى انّه يزعم بانّه قد أبعدني عن الخلافة ولم يرني اهلاً لها امتثالاً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) !)، وهذا هو عمر نفسه يقترح عليّ ان اشترك في هذه الشّورى ويراني اهلاً للخلافة، فأنا اشترك في هذه الشّورى لاثبت انّ تصرّف عمر لا ينسجم مع تلك الرّواية.



أجل فمن نتائج قبول الامام الرّضا (عليه السلام) لولاية العهد انّ المجتمع الاسلاميّ الواسع قد عرف من هو الاحقّ بالولاية، فالمأمون بعمله هذا قد اعترف بحقيقة ضخمة، وفي هذه الاثناء ايضا قد مرّ الامام (عليه السلام) (خلال سفره من المدينة الى مَرْو) بمدن كثيرة من البلاد الاسلاميّة وواجه أناساً كثيرين، وقد كان النّاس في تلك الحقبة التاريخيّة محرومين من كثير من المعلومات بسبب فقدان وسائل الاعلام، وبذلك فقد تحقّق لهم لقاء الامام ومشاهدة الحقّ عن كثَب ، وقد كانت لذلك آثار ايجابيّة كثيرة تستحقّ الذّكر والدّراسة، ويمكننا ملاحظة نموذج ذلك في نيشابور وهجوم النّاس المشتاقين عليه، وفي صلاة العيد في مدينة مَرو، و...



وفي هذا المضمار نستطيع ذكر تعرّف كثير من المفكّرين والعلماء على الامام واشتراكهم معه في جلسة مناظرة ومباحثة بحيث تجلّت لهم عظمة الامام العلميّة، وانهزم المأمون وتحطّمت مؤامراته لاهانة الامام (عليه السلام)، كلّ هذه الامور لابد من عدّها من جملة الاثار الايجابيّة لسياسة الامام (عليه السلام)، وهي تحتاج الى دراسة مبسوطة.



وعلى كلّ حال ففي دراسة حياة ايّ واحد من الائمّة (عليهم السلام) لابدّ من الاخذ بعين الاعتبار الابعاد المختلفة لوجودهم المبارك، وكما انّ تاريخ حياة الانبياء (الّذين كانت أعمالهم نابعة من منبع الوحي) لا يمكن دراسته لمعايير التي يُدرس بها تاريخ الملوك والسّاسة والمستبدّين، فكذا تاريخ حياة الاوصياء والائمّة (عليهم السلام) فانّه لا تتيسّر دراسته بمعايير حياة النّاس العاديّين، وذلك لانّ الاوصياء والائمة كالانبياء (عليهم السلام) يتميّزون بخاصّة مقصورة عليهم وهي الارتباط المعيّن بخالق الكون.

--------------------------------------------------------------------------------



(1) ـ ليرجع من شاء الى الكافي: ج 1 ص 286، واعلام الورى: ص 302، وارشاد المفيد: ص 285، وقاموس الرجال: ج 11 ص 31 من الملحقات.



(2) ـ ولها اسم آخر هو «تكتم».

الامام أبو الحسن علي بن موسى الرّضا (عليه السلام)



في اليوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة عام 148 هجرية وفي بيت الامام موسى بن جعفر في المدينة ولد له ولد(1)، تولّى بعد والده صياغة تاريخ الايمان والعلم والامامة. وقد سُمّي بـ«عليّ» وعُرف بين النّاس بـ«الرّضا».



وتُسمّى أمّه بـ«نجمة»(2)، وقد كانت من أفضل النّساء في العقل والايمان والتّقوى، واساساً فانّ أئمّتنا الطّاهرين جميعاً كانوا من نسل افضل الاباء وقد تربوا في أحضان أكرم الامّهات وأشرفّهنّ.



وقد تسلّم الامام الرّضا (عليه السلام) عام 183 هجريّة (وبعد استشهاد الامام الكاظم (عليه السلام) في سجن هارون) المنصب الالهيّ للامامة وهو في سنّ الخامسة والثلاثين، واصبح قائداً لمسيرة الامّة، وقد كانت امامته بتعيين وتصريح من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، شأنه في ذلك شأن سائر الائمّة المعصومين(عليهم السلام)، وقد أعلنها والده الامام الكاظم (عليه السلام)، فعندما أُلقي القبض على الامام الكاظم (عليه السلام) واودع السّجن قام بتعيين ثامن أئمّة الحقّ وحجّة الله بعده في الارض، حتى ينتشل اتباعه والطّالبين للحقّ من الظلام ويحفظهم من الانحراف والضّلال.



يقول (المخزومي):



لقد أحضرنا الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام) عنده وقال:



ـ أتعرفون لماذا أحضرتكم؟



ـ كلاّ !



ـ احببت ان تشهدوا على انّ إبني هذا (واشار الى الامام الرّضا (عليه السلام) ) هو وصييّ وخليفتي... (عليه السلام)



يقول «يزيد بن سليط»:



كنّا ذاهبين الى مكة لاداء العمرة، فواجهنا الامام الكاظم في اثناء الطّريق، فقلت له (عليه السلام):



أتعرف هذا الموضع؟



قال: بلى. وهل تعرفه أنت؟



قلت: بلى. انا ووالدي لقيناكم انت ووالدك الكريم الامام الصّادق (عليه السلام) في هذا المكان وقد كان يرافقكما سائر اخوتك ايضاً، فقال أبي للامام الصّادق:



فداك ابي وأمّي انتم جميعاً ائمّتنا الطّاهرون ولا يسلم احد من الموت فقل لي شيئاً انقله للاخرين حتّى لا يضلّوا.



فقال له الامام الصّادق (عليه السلام):



يا ابا عمارة ! هؤلاء اولادي وهذا اكبرهم (واشار اليك) وقد اجتمع فيه الحكم والفهم والسّخاء، وهو عالم بكلّ ما يحتاج اليه النّاس، ومطّلع على جميع الشؤون الدينيّة والدنيويّة الّتي يختلف فيها النّاس، وهو يتمتّع بأخلاق رفيعة ويُعدّ باباً من ابواب الله...



وعندئذ قلت للامام الكاظم (عليه السلام): فداك ابي وأمّي، علّمني انت أيضاً كأبيك (بمعنى عرّفني على الامام الّذي يليك).



وبعد ان قام الامام بتوضيح للامامة وانّها امر الهيّ وانّ الامام يتمّ تعيينه من قبل الله تعالى والنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال (عليه السلام):



«الامر الى ابني عليّ سَمِيّ عليّ وعليّ».



وهو يقصد ان اسم هذا الوالد يشبه اسم علي بن أبي طالب واسم عليّ بن الحسين (عليهما السلام).



ولمّا كان الاضطهاد سائداً في المجتمع الاسلامي في ذلك الزّمان فقد أكد الامام الكاظم (عليه السلام) في خاتمة كلامه على «يزيد بن سليط» بقوله: يا يزيد ! احتفظ بما قلته لك فهذه امانة ولا تكشفها اِلاّ لمن تعرف صدقه وتطمئن الى ايمانه.



يقول «يزيد بن سليط» ذهبت الى الامام الرضا (عليه السلام) بعد استشهاد والده الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وقبل ان اتحدّث بشيء أبتداني الامام بقوله:



يا يزيد: أتذهب معي الى العمرة؟



قلت: فداك ابي وامّي، انّ الامر اليك، لكننّي لا املك نفقات السّفر.



فقال: انا اتحمّل نفقات سفرك.



فرافقناه (عليه السلام) في الطّريق الى مكّة، ولمّا وصلنا الى ذلك المكان الذي لقينا فيه الامام الصّادق والامام الكاظم سابقا قمت بشرح قصّة لقائنا للامام موسى بن جعفر وما سمعته منه للامام الرّضا (عليه السلام)...(3).

--------------------------------------------------------------------------------



(1) ـ ليرجع من



(2) ـ ولها اسم آخر هو «تكتم».



(3) ـ اعلام الورى: ص 305، الكافي: ج 1 ص 316.



أخلاق الامام الرّضا (عليه السلام) وسلوكه:



لقد عاش ائمّتنا الطّاهرون: بين الناس ومعهم، وقد علّموا النّاس عمليّاً درس الحياة والطّهارة والفضيلة، وكانوا قدوة واُسوة للاخرين ، ومع انّ مقام الامامة الرّفيع كان يميّزهم من الاخرين، فهم الذين اصطفاهم الله وحججه في الارض لكنّهم في نفس الوقت لم يبتعدوا عن الافق الاجتماعي ولم ينفصلوا عن النّاس ولم يختصّوا انفسّهم بشيء كما يفعل الجبّارون والمتسلّطون ولم يدفعوا النّاس اطلاقاً للعبودّية والانحطاط وهم يشعروهم بالحقارة...



يقول «ابراهيم بن العبّاس»:



ما رأيت الامام الرّضا (عليه السلام) ابداً وهو يجفو في الحديث مع أحد، ولم اشاهده اطلاقاً يقطع حديث أحد قبل ان يتمّ كلامه، وما كان يردّ محتاجاً اذا كان يستطيع قضاء حاجته، ولم يمدّ رجله بحضور الاخرين، ولم اره اطلاقا يقسو في الكلام مع خدمه وغلمانه، ولا يضحك قهقهةً وانّما بصورة تبسّم، واذا فُرشت مائدة الطّعام فهو يدعو اليها جميع افراد البيت وحتّى الحارس والمشرف على الحيوانات، فهؤلاء جميعاً كانوا يتناولون الطّعام مع الامام. وكان لا ينام في اللّيل اِلا قليلاً، وأمّا اغلب اللّيل فقد كان مستيقظاً فيه، وكثير من الليالي يحييها حتى الصباح ويقضيها في العبادة، وكان يصوم كثيراً ولا يترك صيام الايّام الثّلاثة من كل شهر، وكثيراً ما يقوم بأفعال الخير والانفاق بصورة سرّيّة، وفي الغالب كان يساعد الفقراء خفية في اللّيالي الحالكة الظّلام(1)


يقول «محمّد بن أبي عباد»:

كان فراشه (عليه السلام) حصيراً في الصّيف وقطعة من السجّاد الصوفّي في الشّتاء، واما ملابسه فقد كانت غليظة وخشنة (في داخل البيت)، وعندما كان يساهم في المجالس العامّة فانّه يجمّل نفسه (ويلبس الملابس الجيّدة والمتعارفة)(2).



وفي احدى اللّيالي نزل عنده ضيف، وفي اثناء الحديث طرأخلل على المصباح الذي كانوا يستضيئون به فمدّ الضّيف يده لكي يصلح المصباح فلم يدعه الامام وانّما قام هو بالمهمّة قائلاً: نحن أناس لا نستخدم ضيوفنا(3).

وفي احدى المرّات استعان شخص بالامام في الحمّام (وهو لا يعرفه) في ازالة الاوساخ عن جسمه، فاستجاب الامام (عليه السلام) وبدأ ينظّف جسم ذلك الرّجل، فجاء الاخرون اليه وبينّوا له ان هذا هو الامام، فأخذ الرّجل يتعذر اليه وقد استولى عليه الخجل، اِلاّ انّ الامام مضى في مهمّته غير ملتفت الى اعتذاره وكان يسلّيه بانّه لم يحدث ايّ شيء(4).

وجاء شخص للامام قائلاً له: والله ليس هناك على الارض من يصل اليكم في الفضيلة وشرف الاباء. فردّ الامام: انّ التّقوى شرفتهم وطاعة الله سبحانه كرمتهم(5)


يقول رجل من اهل بلخ:

كنت مرافقاً للامام الرّضا خلال سفره الى خراسان، وفي احد الايّام جاءوا بالمائدة فدعا الامام (عليه السلام) اليها جميع الخدم والغلمان وحتى ذوي البشرة السّوداء ليشاركوه في الطعّام.

فقلت للامام: فداك نفسي، أليس من الافضل ان يجلس هؤلاء الى مائدة منفصلة. فقال لي: الزم السكوت فَربّ الجميع واحد وابونا واحد وأمّنا واحدة، والثواب ايضا يكون على الاعمال(6).
يقول «ياسر» وهو خادم للامام:

لقد أوصانا الامام الرّضا (عليه السلام) بأنّني اذا وقفت على رؤوسكم ( ودعوتكم لعمل من الاعمال ) وكنتم مشغولين بتناول الطّعام فلا تنهضوا حتّى تتموا طعامكم. ولهذا فكثيراً ما كان يصادف ان ينادينا الامام فنجيبه بأنّنا مشغولون بتناول الطعام، فيقول (عليه السلام) دعوهم حتّى ينتهوا من طعامهم(7).


وفي احد الايام جاء الى الامام غريب فسلّم عليه وقال: أنا من محبّيك ومحبّي آبائك واجدادك، وقد عدت من حجّ بيت الله الحرام ونفدت اموالي التي كنت احملها معي، فان كنت راغباً فتلطّف عليّ بمبلغ من المال يوصلني الى وطني، فاذا وصلت فسوف اتصدق على الفقراء بما يعادله بالنّيابة عنك، لانّني لست فقيراً في بلادي وقد ألمّت بي الحاجة في السّفر.


فنهض الامام وذهب الى غرفة اخرى وجاء بمائتي دينار واخرج يده من فوق الباب ونادى ذلك الشّخص قائلاً له: خذ هذه المائتين من الدّنانير واجعلها زاد سفرك وتبرّك بها، وليس من الضرورّي ان تتصدّق بما يعادلها..


فأخذها الرّجل وانصرف، وخرج الامام من تلك الغرفة وعاد الى مكانه الاوّل، ولمّا سُئل الامام لماذا تصرّفت بهذه الصّورة بحيث لا يراك الرّجل أثناء أخذه الدّنانير؟


اجاب (عليه السلام): حتّى لا ارى في وجهه ذلّ السؤال وحياءه...(Cool فأئمّتنا المعصومون لم يكتفوا بالقول في مجال تربية اتباعهم وهدايتهم، وانّما كانوا يهتمّون بهم في مجال اعمالهم ويراقبونهم بصورة خاصّة، وينبّهونهم على أخطائهم خلال مسيرة الحياة حتّى يكفّوا من الانحراف ويعودو الى الرّشد، وحتّى يتعلّم الاخرون والمستقبليّون أيضاً.


يقول «سليمان الجعفري» وهو من أصحاب الامام الرّضا (عليه السلام) :


كنت عند الامام لبعض الشّؤون، ولما انتهى غرضي اردت ان استأذن فقال لي الامام: كن معنا هذه اللّيلة.


فذهبت مع الامام الى البيت، وكان وقت الغروب، فوجدنا غلمان الامام منهمكين في البناء ولاحظ الامام بينهم شخصاً غريباً فسأل: من هو الرّجل؟


فقيل له: جئنا به ليساعدنا وسوف ندفع اليه شيئا. فقال (عليه السلام): هل عيّنتم أجره


قالوا: كلاّ ! انه يرضى بأيّ شيء نعطيه.


فغضب الامام وتألّم. واتجهتُ الى الامام وقلتُ له: فداك روحي لا تؤذ نفسك...


قال: لقد نبّهتهم عدّة مرّات على ان لا يأتوا بأحد لعمل اِلاّ اذا كانوا قد عيّنوا أجره من قبل واتّفقوا معه على شيء محدد. فمن ينجز عملاً بدون اتفاق سابق وأجر معين فحتى لواعطيته ثلاثة اضعاف اجره فهو يتخيّل انك اعطيته أقلّ من اجرته، لكنّك اذا اتّفقت معه على شيء فان اعطيته ذلك المقدار المعيّن فسوف يكون راضياً منك لانّك قد نفذت الاتّفاقيّة، وان زدت في العطاء على المقدار المعيّن (وان كان الزائد شيئا بسيطاً وقليلاً) فسوف يعرف انّك قد زِدته فيغدو شاكراً(9).


ينقل احمد بن أبي نصر البزنطي (وهو يُعدّ من كبار أصحاب الامام الرّضا (عليه السلام)):
لقد ذهبنا الى الامام انا وثلاثة آخرون من اصحابه، وجلسنا عنده ساعة، ولمّا اردنا العودة قال لي الامام:


يا أحمد ! اجلس انت. فذهب رفقائي وبقيتُ انا عند الامام، وكانت لديّ بعض الاسئلة فانتهزت الفرصة وسألته عنها فأجابني، وقد انقضى شطر من اللّيل، فأردت ان استأذن منه، فقال لي: أتذهبُ ام تبقى عندنا؟


فقلت: كما تأمرني، ان احببتَ ان ابقي بقيت، وان امرتني بالمغادرة غادرت.


قال: ابق هنا، وهذا هو فراشك ( واشار الى لحاف موجود هناك ) . وعندئذ نهض الامام وذهب الى غرفته. فسجدت انا من شدّة الشّوق وقلت: الحمد لله على انّ حجّة الله في الارض ووارث علوم الانبياء قد اختصّني بهذا المقدار من الحبّ واللطف من بين هؤلاء الأشخاص الذين جاء والزيارته.


وكنتُ في اثناء السّجود فعرفت انّ الامام قد عاد الى الغرفة التي انا فيها فنهضت. وامسك الامام بيدي وضَغَط عليها قائلاً:


يا احمد ! انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ذهب الى عيادة «صعصعة بن صوحان» (وهو من اصحابه المقرّبين)، ولما اراد الانصراف قال له :


«يا صعصعة ! لا تفخر على اخوانك بانّني قد جئت الى عيادتك (اي انّ عيادتي لك لا ينبغي ان تدفعك لتعد نفسك افضل منهم) ولا تنس الخوف من الله وكن تقيّاً ورِعاً وتواضع لله وعندئذ يمنّ عليك الله بالرفعة والعلوّ»(10).

فالامام (عليه السلام) بهذا التّصرّف وهذا الكلام قد حذّره بانّ ايّ عامل لا يمكن ان يحلّ محل صياغة الذّات وتربية النّفس والعمل الصّالح، ولا ينبغي للانسان ان يستولي عليه الغرور بسبب ايّ امتياز يكسبه، وحتّى القرب من الامام وعنايته وحبّه لا ينبغي ان يصبح وسيلة للتّفاخر والمباهاة والاحساس بالعلوّ والارتفاع على الآخرين.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) ـ اعلام الورى: ص 314.
(2) ـ اعلام الورى: ص 315.
3) ـ الكافي: ج 6 ص 283.
(4) ـ المناقب: ج 4 ص 362.
(5) ـ عيون اخبار الرضا: ج 2 ص 174.
(6) ـ الكافي: ج 8 ص 230.
(7) ـ الكافي: ج 6 ص 298.
(Cool ـ المناقب: ج 4 ص 360.
(9) ـ الكافي: ج 5 ص 288.
(10) ـ معجم رجال الحديث: ج 2 ص 237، رجال الكشي: ص 588.

موقف الامام في مقابل جهاز الخلافة:
عاصر الامام عليّ بن موسى الرّضا (عليهما السلام) خلال فترة امامته خلافة هارون الرّشيد وولديه «الامين» و«المأمون»، كانت عشر سنوات منها مقارنة للسنّين الاخيرة من سلطة هارون، وخمس سنوات مع حكومة الامين وخمس سنوات مع حكومة المأمون.

الامام في زمان هارون:
تجاهر الامام الرضّا (عليه السلام) بامامته بعد استشهاد والده الامام الكاظم واظهر دعوته وأعلن من دون خشية انّه قائد للامّة. وقد كان جوّ المجتمع السّياسيّ في زمان هارون يتميّز بالاضطهاد والضّغط بحيث خاف على مصير الامام اقربُ اصحابه من هذه الصّراحة والجرأة.

يقول «صفوان بن يحيى»:
لقد تحدّث الامام الرضّا (عليه السلام) بعد استشهاد والده بحديث خفنا منه على روحه فقلنا له: انّك اظهرت امراً كبيراً ونحن خائفون عليك من هذا الطّاغوت (هارون).

قال (عليه السلام): «مهما اراد فليحاول، فانّه لا سبيل له عليّ»(1).

يقول «محمّد بن سنان»: قلت للامام الرّضا (عليه السلام) في عصر هارون :

انّك شهرت نفسك بهذا الامر (الامامة) وجلست في مكان ابيك ، بينما سيف هارون يقطر دماً !

فقال: انّ الّذي جرّاني على هذا الفعل هو قول الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم):



«لو استطاع أبو جهل ان ينقص شعرة من رأسي فاشهدوا بأننّي لستُ نبيّاً»، وانا اقول: «لو استطاع هارون ان ينقص شعرة من رأسي فاشهدوا بأننّي لستُ اماماً»(2).

وقد تحقّق ما تنبّأ به الامام فهارون لم تسنح له الفرصة لتهديد حياة الامام بالخطر، وبسبب حدوث اضطرابات في شرق ايران فقد اضطرّ هارون ليقود جيوشه نحو خراسان وقد ألم به المرض في اثناء الطريق ومات في طوس عام 193 هجريّة، وبذلك فقد تخلّص الاسلام والمسلمون من هذا الرّجل المنحطّ وأمنوا من فتكه.

الامام في عصر الامين:
وبعد موت هارون حدث صراع شديد على الخلافة بين الامين والمأمون، فقد عيّن هارون الامين خليفة من بعده، وانتزع منه عهداً على ان يكون المأمون خليفة بعده، واشترط عليه ان يُسند للمأمون حكومة ولاية خراسان في زمان خلافة الامين، اِلاّ انّ الامين بعد موت هارون وفي عام 194 هجريّة عزل المأمون عن ولاية عهده ورشّح لها ابنه موسى(3).

وبعد صراعات دمويّة حدثت بين الامين والمأمون، فقد قُتل الامين عام 198 هجريّة وتسلّم المأمون بعده مقاليد الخلافة.

واستغلّ الامام الرّضا (عليه السلام) هذه الاوضاع طيلة فترة الصّراع القائم في بلاط الخلافة وانشغالهم فيما بينهم، وبراحة بال واطمئنان خاطر انصرف الى ارشاد اتباعه وتعليمهم وتربيتهم.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) ـ الكافي: ج 1 ص 487.
(2) ـ الكافي: ج 8 ص 257.
(3) ـ تاريخ ابن الاثير: ج 6 ص 227.

الامام في عصر المأمون:
يعتبر المأمون بين خلفاء بني العبّاس اعلمهم واكثرهم مكراً وخداعاً ، فقد كان متعلّماً ومطّلعاً على الفقه وبعض العلوم الاخرى، كما انّه قد شارك في بعض جلسات البحث والمناظرة مع بعض العلماء، ومن الواضح ان احاطته بعلوم عصره كانت وسيلة لتنفيذ سياساته اللاّانسانيّة، واِلاّ فانّه لم يكن مقيّداً بالدّين الاسلاميّ الحنيف ولم يقلّ عن سائر الخلفاء في مجال اللّهو والفسق والفجور وسائر الافعال الشّنيعة، غاية الامر انّه كان اشدّ احتياطاً في سلوكه من سائر الخلفاء، ويتوسّل بمختلف الحيل والرّياء لخداع عامّة النّاس، ولكي تستحكم أسس سطلته فانّه كان يجالس الفقهاء في بعض الاحيان ويحاورهم في المسائل والبحوث الدينيّة.

ومجالسة المأمون وصداقته الحميمة مع « القاضي يحيى بن أكثم » ( وهو رجل ساقط منحطّ فاجر) تعتبر افضل شاهد على فسق المأمون وانحطاطه وعدم تقيّده بالدّين. فيحيى بن أكثم كان مشهوراً في المجتمع بأفظع الاعمال الّتي يستحي القلم من بيانها، ومثل هذا الشّخص يقرّ به المأمون اليه بحيث يصبح «رفيق المسجد والحمّام والبستان»، والاعظم من هذا (وهو ما يدعوا للاسف الشّديد) انّه قد عيّنه «قاضيا للقضاة» للامّة الاسلاميّة ويشاوره الرأي في شؤون الدّولة المهمّة !!(1)

وعلى أيّة حال ففي عصر المأمون كان يتم ترويج العلم والمعرفة بحسب الظاهر، وكان العلماء يُدعون الى مركز الخلافة، ويبذل المأمون الهبات والمشجّعات للباحثين وذلك لاعداد الارضيّة لانجذابهم نحوه، وكان يعقد مجالس الدّرس والمباحثة والمناظرة، وبذلك راجت سوق الدّراسة العلميّة وارتفع نجمها.

وعلاوة على هذا فقد حاول المأمون جذبَ الشّيعة واتباع الامام اليه من خلال القيام ببعض الاعمال، فمثلاً كان يتحدّث عن انّ علياً (عليه السلام) اكثر أهليّة وأولى بان يصبح خليفة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جعل لعن معاوية وسبّه امراً رسميّاً، وأعاد للعلويّين ما غُصب من حقّ فاطمة الزّهراء (عليها السلام) في «فدك» واظهر تعاطفاً مع العلويّين وحبّاً لهم(2).

واساساً فانّ المأمون من خلال التفاته الى سلوك هارون وجرائمه والاثار السيّئة الّتي تركتها في نفوس النّاس كان يحاول القضاء على ارضيّة الثّورة والتّمرّد، ويبذل قصارى جهده لارضاء النّاس حتّى يستطيع بسهولة الاستقرار على مركب الخلافه، ومن هنا لابدّ من القول انّ الوضع العامّ في ذلك الزّمان كان يستوجب ان يهتمّ برفع النقائض وما يؤذي النّاس، وان يظهر بانّه في صدد اصلاح الامور وهو يختلف عن الخلفاء الاخرين...

--------------------------------------------------------------------------------
(1) ـ يحسن الرّجوع الى التواريخ التي تستعرض خلافة المأمون وتشرح حياة « يحيى بن أكثم » ومن جملتها «مروج الذهب» للمسعودي وتاريخ «ابن خلكان».
(2) ـ الامام الرضا، محمّد جوا فضل الله: ص 91، ونقلاً عن تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 284 و308.


ولاية عهد الامام الرّضا (عليه السلام):

انّ المأمون بعد ما تخلّص من اخيه الامين واستقر على كرسيّ الحكم كان يواجه ظروفاً حسّاسة، لان مكانته في بغداد (الّتي هي مركز السّلطة العبّاسيّة ولا سيّما بين اتباع العبّاسيّين الّذين يريدون الامين ولا يرون حكومة المأمون الّتي مركزها في «مَرْو» منسجمة مع مصالحهم) كانت متزلزلة جدّاً، ومن ناحية اخرى فانّ ثورة العلويّين كانت تشكّل تهديداً جدّياً لحكومة المأمون، وذلك لانّه في عام 199 هجريّة نهض «محمّد بن ابراهيم طباطبا» وهو من العلويّين المحبوبين والعظام، وأعانه في نهضته «ابو السّرايا»، وحدثت نهضات اخرى في العراق والحجاز قامت بها مجموعات اخرى من العلويّين، واستغلّ هؤلاء الضّعف الحاصل في بني العبّاس نتيجة للصراع بين المأمون والامين وما ترتّب على ذلك من تبعثر النظام، فتسلطوا على بعض المدن، والمنطقة الواقعة بين الكوفة واليمن كانت كلّها تقريباً تعيش حالة الاضطراب والتّمردّ، ولم يستطيع المأمون التغلّب على هذه الاضطرابات اِلاّ بعد جهد عسير...(1).



وكان من المحتمل ايضاً ان ينهض الايرانيّون بمساعدة العلويّين وذلك لانّ الايرانيّين كانوا يعتقدون بالحقّ الشّرعي لاهل بيت أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وفي بداية نشاط بني العبّاس استغلّ الدعاة العباسيّون حبّ الايرانيّين هذا لاهل بيت النّبيّ وأمير المؤمنين لاسقاط الحكم الامويّ.


والمأمون رجل ذكيّ ومكّار، ولهذا فكّر في اسناد الخلافة أو ولاية العهد الى شخص كالامام الرّضا (عليه السلام) حتى يساعد على تثبيت اسس حكومته المتزلزلة، فقد كان يأمل من وراء هذه المبادرة ان يستطيع التصدّي لنهضة العلويّين ويوفّر لهم ما يرضي طموحاتهم، وبذلك فهو يُعدّ الايرانييّن لقبول خلافته.


ومن الواضح انّ اسناد الخلافة أو ولاية العهد للامام كان تكتيكاً سياسيّاً مدروساً، واِلاّ فانّ من يقتل اخاه من اجل التسلّط ويعيش حالة الفسق والفجور في حياته الخاصّة لا يمكن ان يتحوّل فجأة الى متديّن زاهد بحيث يتنازل حتّى عن الخلافة والسّلطان، وافضل شاهد على كون المأمون مكّاراً وخدّاعاً هو عدم قبول الامام ذلك العرض منه. ولو كان المأمون صادقاً في قوله وعمله لما رفض الامام اطلاقاً استلام زمام الخلافة، وذلك لانّه لا يوجد من هو أنسب من الامام لها.


وهناك شواهد تاريخيّة اخرى تكشف بوضوح سوء نيّة المأمون ، ونشير هنا الى بعض الموارد بعنوان انّها نموذج فحسب:

* عيّن المأمون بعض الجواسيس على الامام حتّى يراقبوا جميع الامور وينقلوها اليه بواسطة التّقارير، وهذا بنفسه دليل على عداوة المأمون للامام وعدم ايمانه به وعدم حسن نيّته معه ونلاحظ في الرّوايات الاسلاميّة هذا النّص:


«كان هشام بن ابراهيم الرّاشي من اقرب الناس عند الامام الرّضا (عليه السلام) بحيث انّه يسيّر امور الامام، لكنّه لمّا جيء بالامام الى مرو اتّصل هشام بـ«الفضل بن سهل ذي الرّياستين» (وزير المأمون) وبالمأمون نفسه، وتوطّدت العلاقات بينهما الى الحدّ الذيّ لم يُخفِ عنه شيئاً، فعيّنه المأمون حاجباً للامام (وهو الذي يتولّى تنظيم الدّخول عليه واللقاء به)، ولم يكن هشام يسمح لاحد بالدّخول على الامام اِلاّ لمن يرغب، وكان يشدّد مع الامام ويضيّق عليه. حتّى انّ اصحاب الامام واتباعه المخلصين ما كانوا قادرين على لقائه، وكلّ ما يتحدّث به الامام في بيته كان هشام ينقله الى المأمون والفضل بن سهل... »(2).

* يقول «ابو الصّلت» في مجال عداوة المأمون للامام:

كان الامام (عليه السلام) «يناظر العلماء ويتغلّب عليهم، فيقول النّاس: والله انّه أولى بالخلافة من المأمون، فيتلقف الجواسيس هذا الامر وينقلونه الى المأمون...»(3).
* ونلاحظ ايضا انّ «جعفر بن محمّد بن الاشعث» كان يرسل الى الامام بعض الرّسائل ايّام كان الامام في خراسان وعند المأمون، ويوصي الامام ان يحرقها بعد الاطّلاع عليها حتّى لا تقع بيد الاخرين، والامام يطمئنه ويقول: اننّي احرق رسائله بعد قراءتها ...(4).
* ونلاحظ أيضاً انّ الامام (عليه السلام) في تلك الايام التي كان فيها عند المأمون ويعدّ في الظاهر وليّاً للعهد يكتب في جواب «احمد بن محمّد البَزَنطي»:
... وامّا انّك طلبت الاذن في لقائي فانّ مجيئك اليّ صعب عسير، فهم يتشددون معي كثيراً، وهذا الامر ليس ميسوراً لي حاليّاً، وسوف يسهل اللقاء ان شاء الله قريباً...(5).
* والاوضح من الجميع انّ المأمون نفسه كان في بعض الاحيان يعترف لبعض المقرّبين اليه والمرتبطين به بأهدافه الواقعيّة لمواقفه مع الامام ويكشف بصراحة نيّاته الخبيثة:
يقول المأمون في جوابه بـ«حميد بن مهران» (وهو أحد افراد بلاطه ) وجماعة من العبّاسيّين الذّين جاءوا اليه معترضين عليه موضوع اسناد ولاية العهد للامام الرّضا:

«... انّ هذا الرجل كان مخفيّاً وبعيداً عنّا، وكان يدعو لنفسه، ونحن اردنا أن نجعله وليّ عهدنا حتّى تصبح دعوته لنا، ويعترف بسلطاننا وخلافتنا، وحتّى يدرك المعجبون به انّ ما يدّعيه لنفسه ليس فيه، وانّ هذا الامر (وهو الخلافة) مختصّ بنا وليس له فيه نصيب.

وكنّا خائفين انّنا اذا تركناه وحاله ان يحدث اضطراباً في البلاد بحيث لا نستطيع الوقوف في وجهه، فيوجد وضعاً نعجز عن مقابلته... »(6).

وبناءً على هذا فالمأمون لم يكن ذانيّة حسنة في اسناد الخلافة او ولاية العهد للامام، وانما كان يهدف الى اشياء أخرى من وراء هذه اللّعبة السّياسيّة، فهو من ناحية كان يقصد ان يجعل الامام بلونه ويلوّث تقواه وقدسيّته، ومن ناحية أخرى لوانّ الامام وافق على ايّ واحد من اقتراحيه (الخلافة وولاية العهد) كما اراد المأمون فانّ الامر كان ينتهي لصالح المأمون، وذلك لانّه لو قبل الامام الخلافة فسيصبح المأمون وليّ عهده (كما اشترط هو ذلك) وبهذا يؤمّن لسطته الشرعية والقانونيّة، ثمّ يتآمر في الخفاء ويقضي على الامام، ولو قبل الامام ولاية العهد فانّه اعتراف بسلطة المأمون وابقاء لها على ما هي عليه...

وقد اختار الامام حّلاً ثالثاً، فمع انّه قبل ولاية العهد بالضغط والاجبار لكنّه تصرّف بأسلوبه الخاصَّ بحيث حرم المأمون من تحقيق اهدافه من التّقرّب للامام واكتساب الشرعيّة، وفضح للمجتمع انّ هذه الحكومة طاغوت ولسيت حكومة اسلاميّة...

-------------------------------------------------------------------------------
(1) ـ ليرجع من احبّ التفصيل الى «مقاتل الطالبيّين» لابي الفرج الاصفهاني وتتمة المنتهى وسائر كتب التاريخ.
(2) ـ حياة الامام الرّضا، لجعفر مرتضى الحسيني: ص 213 ـ 214، والبحار: ج 49 ص 139 ، ومسند الامام الرّضا (عليه السلام): ج 1 ص 77 ـ 78، وعيون الاخبار: ج 2 ص 153.
(3) ـ حياة الامام الرّضا: ص 214، والبحار: ج 49 ص 290، وعيون الاخبار: ج 2 ص 239.
(4) ـ حياة الامام الرّضا: ص 214، وكشف الغمة: ج 3 ص 92، ومسند الامام الرّضا: ج 1 ص 178، وعيون الاخبار: ج 2 ص 219.
(5) ـ حياة الامام الرّضا: ص 215، ورجال المامقاني: ج 1 ص 97، وعيون الاخبار: ج 2 ص 212.
(6) ـ حياة الامام الرّضا: ص 364، وشرح ميمية ابي فراس: ص 196، وعيون الاخبار: ج 2 ص 170، والبحار: ج 49 ص 183، ومسند الامام الرّضا: ج 2 ص 96.


من المدينة الى مَرْو:
كما ذكرنا فالمأمون قد عزم على ان يأتي بالامام الرّضا (عليه السلام) الى مَرْو لتحقيق اهدافه السّياسيّة وارضاء العلويّين الّذين كان بينهم دائماً رجال شجعان وعلماء وزهّاد، ولتملّق عواطف اعضاء المجتمع ولا سيّما المجتمع الايرانيّ الذي كان يعشق اهل البيت، واظهر المأمون انّه محبّ للعلويّين عموماً وللامام (عليه السلام) بصورة خاصّة، وقد تصرّف المأمون بمهارة فائقة بحيث انطلى الامر حتّى على بعض الافراد من الشيعة الّذين يتمتّعون بقلوب طاهرة سليمة، ولهذا فانّ الامام الرّضا (عليه السلام) نبّه بعض اصحابه ممّن يحتمل ان يتأثّر بتظاهر المأمون وريائه بقوله:

«لا تغتّروا بقوله، فما يقتلني والله غيره، ولكنّه لابدّ لي من الصّبر حتّى يبلغ الكتاب اجله»(1).


اجل، لقد أمر المأمون (فيما يتعلّق بتنصيب الامام وليّاً للعهد) عام 200 هجريّة بحمل الامام الرّضا (عليه السلام) من المدينة الى مرَوْ(2).


يقول رجاء بن أبي الضّحّاك، وهو المبعوث الخاصّ للمأمون:


بعثني المأمون في اشخاص علي بن موسى الرّضا (عليه السلام) من المدينة وأمرني أن أخذ به على طريق البصرة والاهواز وفارس، ولا أخذ به على طريق قم، وأمرني ان احفظه بنفسي باللّيل والنّهار حتى اقدم به عليه فكنت معه من المدينة الى مَرْو، فوالله ما رأيت رجلاً كان أتقى للهِ منه ولا اكثر ذكراً له في جميع اوقاته منه، ولا اشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ...(3)

ويقول ايضاً: عندما سرنا من المدينة الى مَرْو لم نمرّ بمدينة إلاّ خفّ اهلها اليه واستفتوه عن شؤونهم الدينيّة، وكان (عليه السلام) يجيبهم بأجوبة شافية كافية، ويحدّثهم بكثرة مستنداً الى آبائه الكرام ومنتهياً الى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)...(4).


يقول «أبو هاشم الجعفريّ»:


لمّا بعث المأمون رجاء بن أبي الضّحّاك لحمل ابي الحسن علي بن موسى الرّضا (عليهما السلام) على طريق الاهواز، لم يمرّ على طريق الكوفة ، فبقي به اهلها وكنت بالشرقي من ابيدج (موضع) فلمّا سمعت به سرت اليه بالاهواز وانتسبت له وكان أول لقائي له، وكان مريضاً، وكان زمن القيظ فقال: ابغني طبيباً. فأتيته بطبيب فنعت له بقلة فقال الطيب: لا اعرف احداً على وجه الارض يعرف اسمها غيرك، فمن اين عرفتها اِلاّ انّها ليست في هذا الاوان ولا هذا الزّمان، قال له: فابغ لي قصب السّكّر، فقال الطبيب وهذه أدهى من الاولى ما هذا بزمان قصب السّكّر، فقال الرّضا (عليه السلام): هما في أرضكم هذه وزمانكم هذا، وهذا معك فامضيا الى شاذروان الماء واعبراه فيرفع لكم جوخان (أي بيدر) فاقصداه فستجدان رجلاً هناك اسود في جوخانه فقولا له أين منبت قصب السّكّر واين منابت الحشيشة الفلانيّة (ذهب على ابي هاشم اسمُها) فقال يا ابا هاشم دونك القوم فقمت واذا الجوخان والرجل الاسود قال: فسألناه فأومأ الى ظهره فاذا قصب السّكّر فأخذنا منه حاجتنا ورجعنا الى الجوخان فلم نصر صاحبه فيه، فرجعنا الى الرّضا (عليه السلام) فحمد الله.


فقال لي المتطّبب: ابن من هذا؟

قلت: ابن سيّد الانبياء.

قال: فعنده من اقاليد النّبوة شيء؟

قلت: نعم، وقد شهدت بعضها وليس بنبيّ.

قال:وصيّ نبيّ؟

قلت: امّا هذا فنعم؟

فبلغ ذلك رجاء بن أبي الضّحّاك فقال لاصحابه لئن اقام بعد هذا ليمدّن اليه الرّقاب فارتحل به(5).

--------------------------------------------------------------------------------
(1) ـ البحار: ج 49 ص 189.
(2) ـ الكافي: ج 1 ص 498، منتهى الامال.
(3) ـ البحار: ج 49 ص 91، عيون اخبار الرّضا: ج 2 ص 178.
(4) ـ عيون اخبار الرّضا: ج 2 ص 181 ـ 182.
(5) ـ بحار الانوار: ج 49 ص 118.



الامام في نيشابور:

تقول السّيدة الّتي نزل الامام (عليه السلام) في دار جدّها في نيشابور:


جاء الامام الرّضا (عليه السلام) الى نيشابور ونزل في دار جديّ «پسنده» الواقعة في المحلّة الغربية في النّاحية المعروفة بـ«لاشاباد»، وقد سمّي جديّ بهذا الاسم لانّ الامام احبّه ونزل في بيته.

وقد زرع الامام بيده المباركة شجرة لوز في زاوية من بيتنا، ومن بركات الامام انّها اصبحت شجرة واثمرت خلال فترة عام واحد، واخذ النّاس يطلبون الشّفاء بواسطة لوز هذه الشّجرة، وكلّ مريض تناول منه شيئاً بقصد الشّفاء فانّه تحسنّت صحّته...(1).

يقول «أبو الصّلت الهروي» وهو من أصحاب الامام المقرّبين:


كنتُ برفقة الامام علي بن موسى الرّضا عندما اراد الخروج من نيشابور وكان راكباً على بغلة رماديّة اللّون وقد اجتمع حوله مجموعة من العلماء منهم «محمّد بن رافع و«احمد بن الحرث» و« يحيى بن يحيى» و«اسحاق بن راهويه» وقد امسكوا بعنان بغلة الامام وهم يقولون: نقسم عليك بحقّ آبائك الطّاهرين اِلاّ ما حدّثتنا بحديث سمعته من والدك.


فأخرج الامام رأسه من المحمل وقال:


«حدثنا ابي، العبد الصّالح موسى بن جعفر قال حدّثني ابي الصّادق جعفر بن محمّد، قال حدّثني ابي أبو جعفر بن عليّ باقر علوم الانبياء، قال حدّثني ابي عليّ بن الحسين سيّد العابدين، قال حدّثني ابي سيّد شباب اهل الجنّة الحسين، قال حدّثني ابي عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول سمعت جبرئيل يقول قال الله جلّ جلاله: انّي انا الله لا اله اِلا انا فاعبدوني، من جاء منكم بشهادة ان لا اله اِلا الله بالاخلاص دخل في حصني ومن دخل في حصني أمن من عذابي»(2).


وفي رواية اخرى يقول «اسحاق بن راهويه» وهو احد الحاضرين ضمن هذه المجموعة:


انّ الامام بعد ما ذَكَر انّ الله تعالى قال


«لا اله اِلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي».


سار قليلاً وهو راكب ثمّ قال لنا:


«بشروطها وانا من شروطها»(3).


اي ان الايمان بوحدانيّة الله (الّذي يوجب النّجاة من العذاب الالهيّ) مشروط بشروط من جملتها ولاية وامامة الائمّة(عليهم السلام).

وهناك كتب تاريخيّة اخرى تنقل انّ الامام عندما كان يقرأ هذا الحديث ازدحم النّاس في نيشابور (الّتي كانت انذاك من مدن خراسان الكبيرة ومكتظّة بالسّكان ومعمورة لكنّها قدتّم تخريبها في هجوم المغول (وكانوا بين صارخ وباك وممزّق ثوبه ومتمرّغ في التّراب ومقبّل خرام بغلته ومطوّل عنقه الى مظلة المهد الى ان انتصف النّهار وجرت الدموع كالانهار وسكنت الاصوات وصاحت الائمّة والقضاة: معاشر الناس اسمعوا وعوا ولا تؤذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عترته وانصتوا فأملى صلوات الله عليه هذا الحديث وعدّ من المحابر اربع وعشرون الفاً سوى الدّوى...(4)

يقول «الهروي»:

لمّا خرج الرّضا بن موسى (عليهما السلام) من نيشابور الى المأمون فبلغ قرب القرية الحمراء(5)، قيل له يا ابن رسول الله قد زالت الشّمس أفلا تصلّي فنزل (عليه السلام) فقال ائتوني بماء فقيل ما معنا ماء فبحث (عليه السلام) بيده الارض فنبع من الماء ما توضأ به هو ومن معه واثره باق الى اليوم(6).


فلما دخل سناباد اسند الى الجبل الذي ينحت منه القدور فقال: « اللّهم انفع به وبارك فيما يجعل ينحت منه ثمّ أمر (عليه السلام) فنحت له قدور من الجبل، وقال لا يطبخ ما آكله اِلا فيها»(7)، وكان (عليه السلام) خفيف الاكل قليل الطّعم(Cool.


ثمّ دخل دار حميد بن قحطبة الطّائي ودخل القبّة التي فيها قبر هارون الرّشيد(9) ثمّ خطّ بيده الى جانبه ثم قال:


«هذه تربتي وفيها ادفن وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي واهل محبّتي...»(10).


واخيراً فقد وصل الامام الى مَرْو وأنزله المأمون في دار خاصّة معزولة عن الاخرين وبالغ في احترامه...(11).

--------------------------------------------------------------------------------
(1) ـ عيون اخبار الرّضا: ج 2 ص 131.
(2) ـ عيون اخبار الرّضا: ج 2 ص 132 ـ 133.
(3) ـ عيون اخبار الرّضا: ج 2 ص 134.
(4) ـ البحار: ج 49 ص 127.
(5) ـ واسمها في اللغة الفارسية «ده سرخ» وهي واقعة على بعد نصف فرسخ من شريف آباد وستة فراسخ من مدينة مشهد المقدسة (منتخب التواريخ: ص 544).
(6) ـ البحار : ج 49 ص 125 ، عيون الاخبار : ج 2 ص 135 .
(7) ـ انّ الانية والظروف التي تنحت من حجر هذا الجبل يُقبل عليها النّاس حتى اليوم وتصنع منه وسائل اخرى تعتبر من تحف مدينة مشهد المقدّسة، ويعرف عامّة اهل مشهد قصّة دعاء الامام (عليه السلام) فيما يتعلّق بهذا الجبل ويتبرّكون به.
(Cool ـ البحار: ج 49 ص 125، عيون الاخبار: ج 2 ص 135.
(9) ـ وهو نفس المكان الذي فيه مرقد الامام الرّضا (عليه السلام).
(10) ـ البحار: ج 49 ص 125. عيون الاخبار: ج 2 ص 135 ـ 136.
(11) ـ الارشاد للمفيد: ص 290.

اقتراح المأمون:

ارسل المأمون رسالة الى الامام بعد دخوله الى مرو يعلمه فيها انّه يريد التّخلّي عن الخلافة واسنادها الى الامام، ويطلب منه ابداء وجهة نظره.


فرفض الامام، فأعاد المأمون الكرّة وارسل رسالة اخرى يقول له فيها لمّا كنت قد رفضت اقتراحي الاوّل فلابدّ لك من قبول ولاية عهدي. وتوقّف الامام تماماً من قبول هذا الاقتراح أيضاً، فأحضر المأمونُ الامامَ عنده وخلي به في مجلس خاصّ وكان «الفضل بن سهل ذوالرياستين» حاضراً في هذا الأجتماع. قال المأمون: لقد استقرّ رأيي على ان اسند اليك الخلافة وشؤون المسلمين. فلم يقبل الامام، وعندئذ كرّر المأمون اقتراحه بولاية العهد فلم يوافق عليه الامام ايضاً.



قال المأمون: لقد عيّن «عمر بن الخطاب» للخلافة من بعده شورى تضمّ ستّة اعضاء وكان جدّك علي بن أبي طالب واحداً منهم ، وقد أمر عمر بأن تُضرب عنق كلّ من يخالف منهم، فلا مفرّ لك من قبول ما اردته منك، لانّني لا اجد سبيلاً آخر ولا علاجاً آخر .


وبهذه الطّريقة فقد لوّح المأمون للامام بالموت، فاضطرّ الامام لقبول ولاية العهد بالاكراه والاجبار قائلاً:


«انّني اقبل ولاية العهد بشرط ان لا اكون آمراً ولا ناهيا ولا مفتيا ولا قاضيا وان لا اعزل ولا انصب احداً وا ن لا اغيّر شيئا ولا ابدّله».


ووافق المأمون على كل هذه الشّروط(1).


وهكذا فُرضت ولاية العهد على الامام، والغرض من وراء هذه المؤامرة هو ان يجعل الامام تحت المراقبة حتّى ي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://aboalahrar.ba7r.biz
 
سيرة الامام الرضا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة ابو الاحرار الاسلاميه :: ..:زاوية المنتديات الاسلاميه:.. :: معلومات عن الائمه (عليهم السلام)-
انتقل الى: